أنت هنا

تاريخ النشر: 
السبت, يناير 25, 2020 - 00:00

 

 

إسرائيل وعماليق - مثال للكراهية العمياء بين الجماعات

ناصر شقور

مقدمة:

إن موضوع الكراهية من المواضيع التي أظهِرَت نتائجُها بشكل واضح في الكتاب المقدس. فقد أظهرها الكتاب المقدس بأنها قد  تحدث في أية علاقة. وبمدى قرب العلاقة تكبر الكراهية فأعداء الإنسان أهل بيته. قد تتجذر الكراهية وتنتقل من جيل إلى جيل، فتُنسى الأسباب لكنها تستمر ككراهية عمياء. وقد أعطى الكتاب المقدس أمثلة كثيرة على الكراهية . فعند الزوج آدم وحواء تحولت العلاقة مع المرأة بالنسبة لزوجها آدم، من "هذه لحم من لحمي وعظم من عظامي"، إلى جسم غريب كأنها فُرِضَت على آدم " المرأة التي أعطينيها.." . الكراهية قد تكون في العلاقة بين الإخوة كمثل قايين وهابيل. لا يذكر الكتاب المقدس بوضوح سبب كراهية الأخ لأخيه، كأني به يقول قد تتعدد الأسباب للكراهية لكن النتيجة واحدة، فأظهر الراوي في قصة قايين وهابيل أن الأخ قتل أخاه!!! ثم خاف قايين من هول النتيجة أي الكراهية العمياء التي ستنتقل من جيل الى جيل. ومثال آخر للكراهية هو الكراهية بين الجماعات، من الأمثلة التي أوردها الكتاب المقدس في هذا المجال هو قصة إسرائيل وعماليق. سنحاول إلقاء الضوء على هذه الكراهية بين الجماعات، مظهرين مدى قرب هاتين الجماعتين. وما هي أعمال الكراهية التي تتم بينهما.  فما هي قصة عماليق؟ 

المصادر التارخية لعماليق

لا يوجد لعماليق ذكرٌ في كتابات الأمم ولا موقع أثري يدل عليهم. كل ما هو معروف عنهم مصدره الكتاب المقدس – العهد القديم فقط. وقد ذكر عماليق في ثمانية أسفار: التكوين، الأخبار، تثنية الاشتراع، سفر صاموئيل الأول ، سفر صاموئيل الثاني، سفر القضاة، سفر أخبار الأيام الأول، سفر المزامير وحتى سفر إستير. لذا سنعتمد هذه الأسفار كمصدر للمعلومات.

أصل عماليق

التوراة تصف تاريخ الشعوب المختلفة  بحسب "شجرة عائلة" متشعبة، تبدأ الشجرة مع نوح وتتشعَّب الى شعوب وقبائل من أبنائه الثلاثة. عادة، درجة التقارب بين الشعوب،  حسب هذه الشجرة ، تعبِّر عن مدى القرب التاريخي والعرقي لهم. على سبيل المثال فإن موآب من نسل لوط، ابن أخ إبراهيم. في حين أن مصر وكوش، قد تفرعا لجماعة عرقية منفصلة من حام بن نوح، لذا فهم مختلفون جدا من حيث اللغة والثقافة عن اليهود.

فأين، إذن، موقع عماليق بهذه الشجرة ؟

الجواب: أقرب ما يكون! عماليق هو حفيد عيسو، شقيق يعقوب التوأم - إسرائيل. بالتالي فإن العماليق أقرب إلى العبرانيين من الإسماعيليين، أحفاد الإبن الآخر لإبراهيم ، وأكثر قربى من المديانيين، أبناء الزوجة الثالثة لإبراهيم، وأكثر من عمونيين والموآبيين أحفاد لوط ابن أخ ابراهيم، وبالتأكيد أقرب بكثير من كل الشعوب الأخرى.

علاقة الإخوة والملازمة بين اسرائيل وعماليق:

في البداية يُذكر الأدوميون "كإخوة"  " ومُرِ الشَّعبَ وقُلْ لَهم: إِنَّكم مُجْتازونَ حُدودَ إِخوَتكم بَني عيسو المُقيمينَ بسِعير، فسَيَخافونَكم، فتَنبهوا جدًّا.  لا تَتَحَدًّوهم، فإِنِّي لَستُ مُعْطيَكُمَ مِن أَرضِهِم شَيئًا ولا مَوطِئ قَدَم، لأَنَّ جَبَلَ سِعيرَ قد وَهَبتُه لِعيسوَ ميراثًا . بِفِضَّةٍ تَشتَرونَ مِنهم طَعامًا فتكُلوَنه، وبِفِضَّةٍ تَشتَرونَ ماءً فتَشرَبونَه، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ قد بارَكَ لَكَ في جَميع أَعْمالِ يَدَيكَ، وعَرَفَ مَسيرَكَ في هذه البَرِّيَّةِ الشًّاسِعة. فهذِه أَربَعونَ سَنةً والرَّبُّ إِلهُكَ معَكَ ولم يُعوِزْكَ شيَء. فجُزْنا عن إِخوَتنا بَني عيسوَ المُقيمينَ بِسِعير( تثنية 2 4 -8) 

فأدوم هو شعب توأم لإسرائيل، ويدعوه الكتاب "عبري". وقد حصل هو أيضًا على ميراث من الرب على الجانب الآخر من نهر الأردن . وكذلك فإن إسحاق قد أحب عيسو أكثر من يعقوب وهذا يدل على أن الأدوميين هم أيضًا  "شعب المختار" . وفي وقت لاحق تحظر التوراة صراحة على العبرانيين من أن يكره شعبين: لا تَكرَهِ الأَدومِيَّ، لأَنَّه أَخوكَ، ولا تَكرَهِ المِصرِيَّ، لأَنَّكَ كُنتَ نَزيلاً في أَرضِه.  والجيلُ الثَّالِثُ مِنَ البَنينَ الَّذينَ يُولَدونَ لَهم يَدخُلونَ في جَماعةِ الرَّبّ ( تثنية 23 8-9). ما أغرب المفارقة: إن الشعب ( عماليق) المكروه أكثر ما يمكن هو سبط او  قبيلة من نفس "الأخ" ( الأدومييون) الذي تمنع التوراة أن يُكرَه!

بالإضافة للقرابة بين عماليق وإسرائيل هناك أيضًا قرابة جغرافية غريبة، فسفر التكوين يذكر إثني العشر قبيلة يتكون منها آدوم ، تماما مثل عدد من أسباط إسرائيل. عماليق، وُلِد لبكر عيسو. هذه القبيلة لم تعش في الأردن، مثل قبائل أدوم الأخرى لكن الى الغرب منها، مثل شعب إسرائيل نفسه. تظهر هذه القبيلة لأول مرة  في رفيديم جنوب سيناء، مقابل العبرانيين الذين خرجوا من مصر، وتتبع هذه القبيلة العبرانيين حتى وصولهم إلى أرض كنعان، وتسكن في النقب. عَماليقُ مُقيمٌ بِأَرضِ النَّقَب ( العدد 13: 29). أما سفر القضاة (قضاة 12: 15  ) فيذكر "وماتَ ودُفِنَ في فِرعَتونَ، في أرضِ أفرايمَ، في جبَلِ بَني عَماليقَ".  أي إن قبيلة عماليق كانت أيضا تسكن في أراضي افرايم، في الشمال، في مكان يُسمى جبل العماليق. نستنتج من ذلك أن العماليق  كانوا منتشرين على نفس مساحة أرض شعب إسرائيل. من الجدير بالذكر أن سفر أستير يشير إلى أن عماليق قد رافق شعب إسرائيل إلى المنفى.

تعابير للكراهية:

مُحاربة عماليق في سيناء:

إن المواجهة الأولى بين إسرائيل وعماليق تحدث في سيناء، فيرد في سفر الخروج ( خروج 17 : 7 -8 ) : وسَمىَّ ذلكَ المَكانَ (( مَسَّة ومَريبة )) بِسَبَبِ مُخاصَمةِ بَني إِسْرائيلَ وتَجرِبَتِهم لِلرَّبِّ قائلين: "هَلِ الرَّبُّ في وَسْطِنا أَم لا؟ " وجاءَ العَمالِقَةُ فحارَبوا إِسْرائيلَ في رَفيديم.  لفهم التعبير " مسَّة ومريبة" فلنرجع للنص العبري וַיִּקְרָא שֵׁם הַמָּקוֹם מַסָּה וּמְרִיבָה עַל רִיב בְּנֵי יִשְׂרָאֵל וְעַל נַסֹּתָם אֶת יְהוָה أي سمي المكان مكان "التجربة والمخاصمة". الجدير بالانتباه أن عماليق يظهر لأول مرة، مباشرة بعد مخاصمة بني اسرايل بعضهم مع بعض وتشكيكهم بوجود الله فيما بينهم. وسفر التثنية يذكر هذه العلاقة بوضوح :  اذكُرْ ما صَنعً بِكَ عَماليقُ في الطَّريق، عِندَ خُروجِكم مِن مِصْر، : كَيفَ لَقِيَكَ في الطَّريق وقَطَعَ عنكَ جَميعَ المُتَخَلِّفينَ الَّذينَ ورَاءَكَ، وأَنتَ تَعِبٌ مُرهَق، ولم يَخَفِ الله (تثنية  25 : 17-18 ) عماليق يظهر هنا كممثل التمرد على الله، لذلك فإن إبادته هي وسيلة مريحة للتعامل مع هذا الجانب الممنوع والمخفي في نفس بني اسرائيل.

وصف المعركة لا يدع مجالا للشك، أن عماليق لم يكونوا اناس عاديين: للتغلب على عماليق هنالك حاجة  لقوة غير طبيعية: فقالَ موسى لِيَشوع: " اِختَرْ لَنا رِجالاً وآخرُجْ لِمُحارَبةِ العَمالِقَة، وغَداً أَنا أَقِفُ على رأسِ التَّلِّ وعَصا اللهِ في يَدي"  ففَعَلَ يَشوعُ كَما قالَ لَه موسى في أَمرِ مُحارَبةِ العَمالِقَة. أَمَّا موسى وهارونُ وحُور فصَعِدوا إِلى رَأسِ التَّلّ.  فكانَ، إذا رَفَعَ موسى يَدَه، يَغلِبُ بَنو إِسْرائيل، وإِذا حَطَّها، تَغلِبُ العَمالِقَة. ولَمَّا ثَقُلَت يَدا موسى، اخَذا حَجَراً وجَعلاه تَحتَه. فجَلَسَ علَيه وأَسنَدَ هارونُ وحُورُ يَدَيه، أَحَدُهما مِن هُنا والآخَرُ مِن هُناك. فكانَت يَداه ثابِتَتَينِ إِلى مَغيبِ الشَّمْس  فهَزَمَ يَشوعُ عَماليقَ وقَومَه بحَدِّ السَّيف. (خروج 17 : 9-13)

نتائج هذه الحرب حفظت للأبد : وقالَ الرَّبُّ لِموسى: " أُكْتُبْ هذا ذِكْراً في كِتاب وضَعْ في أُذُنَي يَشوعَ أَنِّي سأَمْحو ذِكْرَ عَماليقَ مَحْواً مِن تَحتِ السَّماء ". وبَنى موسى مَذبَحاً وسَمَّاه " الرَّبُّ رايَتي" فقَد قال: " إِنَّ يَداً قدِ آرتَفَعَت على عَرشِ الرَّبّ: فالحَربُ قائِمَةٌ بَينَ الرَّبِّ وعَماليقَ مِن جيلٍ إِلى جيل "(خروج 17 : 14-16). 

حتى أسوأ جميع الأعداء، تنسى ذنوبه وتغفر مع مرورالأجيال. التوراة على علم بذلك، فترجوع  وتحذر من عدم السماح لهذا الميل البشري أن ينسي أمر الإبادة: اذكُرْ ما صَنعً بِكَ عَماليقُ في الطَّريق، عِندَ خُروجِكم مِن مِصْر، كَيفَ لَقِيَكَ في الطَّريق وقَطَعَ عنكَ جَميعَ المُتَخَلِّفينَ الَّذينَ ورَاءَكَ، وأَنتَ تَعِبٌ مُرهَق، ولم يَخَفِ الله. فإِذا أَراحَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِن جَميعِ أَعْدائِكَ الَّذينَ حَوالَيكَ في الأَرضِ الَّتي يُعْطيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِيَّاها ميراثًا لِتَرِثَها، فأمْحُ ذِكرَ عَماليقَ مِن تَحتِ السَّماء. لا تَنْسَ. ( تثنية 25 : 17 -19)

الملك شاؤول وعماليق

شاؤول أول ملوك إسرائيل، يُكلَّف فور تسلمه الملك، بأمر إبادة عماليق: وقالَ صَموئيلُ لِشاوُل: "أَنا الَّذي أَرسَلَني الرَّبُّ لأَمسَحَكَ مَلِكًا على شَعبه، على إِسْرائيل. فأسمعَ الآنَ قَولَ الرَّبّ. هكَذا يَقولُ رَبُّ القُوَّات: سأَفتَقِدُ عَماليقَ لِما صَنَعَ بِإِسرائيل، حينَ وَقَفَ لَه في الطَّريق، عِندَ صُعودِه مِن مِصْر:  فاَذهَبِ الآنَ واَضرِبْ بَني عماليقَ، وأهلِكْ جميعَ ما لهُم ولا تَعفُ عَنهُم، بلِ اَقتُلِ الرِّجالَ والنِّساءَ والأطفالَ والرُّضَّعَ والبقَرَ والغنَمَ والجمالَ والحميرَ)1 صموئيل 15 : 1 -3 ).

ان  الملك شاؤول لم يُنفِّذ كل ما طلِب منه، إذ إنه أشفق على ملك عماليق وأخذه أسيرًا، ولم يبد الغنم الذي أخِذ سبيًا. (2 صموئيل 27 ) . 

عماليق ونهاية شاؤول

من الأمور المستغربة هو الدور الذي لعبه شاب من عماليق في نهاية حياة شاؤول. هنا سفر صاموءيل يناقد نفسه. ففي نهاية سفر صاموئيل الأول، يذكر أن شاؤول الملك قد انتحر في جلبوع: فقالَ شاوُلُ لِحامِلِ سِلاحِه: "اِستَلَّ سَيفَكَ واطعَنِّي بِه لِئَلاَّ يَأتِيَ هؤُلاءِ القُلفُ ويَطعَنوني ويُشَنِّعوا فِيَّ ". فأَبى حامِلُ سِلاحِه، لأَنَّه خافَ خَوفًا شَديدًا. فأَخَذَ شاوُلُ سَيفَه وسَقَطَ علَيه  . ( 1 صموئيل 31 :4 ). أما بداية سفر صموئيل الثاني فتَذكر أنه قد وصل لمعسكر داؤود صبيًا قد نجا من جيش شاؤول ثيابه ممزقة وعلى رأسه الرماد حزنا على مقتل الملك شاؤول. ويُخبر داؤود أنه رأى شاؤول محاصرًا بالفلسطينيين، ويُعلن هذا الفتى أنه عماليقي فيدفع حياته ثمنا لاعترافه بأصله : ولَمَّا كانَّ اليَومُ الثالِث، إِذا بِرَجُلٍ قد أقبَلَ مِنَ المُعَسكَرِ مِن عِندِ شاوُل، وثيابُه مُمَزَّقَةٌ وعلى رَأسِه تُراب. فلَمَّا وَصَلَ إِلى داوُد، اِرْتمى على الأَرض وسَجَدَ لَه. فقالَ لَه داوُد: ((مِن أَينَ اقبَلتَ؟ )) قال: ((نَجَوتُ بِنَفْسي مِن مُعَسكَرِ إِسْرائيل )). فقالَ لَه داوُد: ((ما الخَبَر؟ اعلِمْني )). قال: (( أَنَّهَزَمَ الشَّعبُ مِنَ القِتال، وسَقَطَ مِنَ الشَّعبِ كَثيرونَ وماتوا، وشاوُلُ ويوناتأَنَّ ابنُه قد ماتا أَيضاً)). فقالَ داوُدُ لِلفَتى الَّذي أَخبَرَه: ((كَيفَ عَرَفتَ أَنَّه قد ماتَ شاوُلُ ويوناتأَنَّ أبنُه ؟ )) فقالَ لَه الفَتى الَّذي اخبَرَه: ((اِتَّفَقَ لي أَنَّ كُنتُ في جَبَلِ الجِلْبوع، فإِذا شاوُلُ مُتَّكِئ على رُمحِه، والمَركَباتُ والفُرْسأَنَّ يَجِدُّونَ في إثرِه .  فألتَفَتَ وَراءَه فرَأَنَّي ونادأَنَّي، فقُلتُ: هاءَنذا. فقالَ لي : مَن أَنَّتَ؟ فقُلتُ لَه: عماليقيّ. فقالَ لي: أَنَّهَضْ علَيَّ فآقتُلْني، فقَد أَخَذَني الدُّوار، معَ أَنَّ نَفْسي لم تَزَلْ فِيَّ . فنَهَضتُ علَيه فقَتَلتُه، لأَنَّي عَلِمتُ أَنَّه لا يَحْيا بَعدَ سُقوطِه. وأَخَذتُ التَّاجَ الَّذي على رَأسِه والسِّوارَ الَّذي في ساعِدِه، فماتيتُ بهما إِلى سَيِّدي ههُنا ( 2 صموئيل 1 : 2 -10)  ترى ماذا يجعل عماليقي يخدم في جيش شاؤول ويكون على اتصال بداود؟ ترى كيف يؤمَّن لعماليقي أن يخدم في الجيش الإسرائيلي؟

الملك داود وعماليق

واعتلى مكان شاؤول الملك رجلا برَعَ في قتل العماليق، ألا وهو الملك داود، الذي يصف سفر صموئيل الأول أعماله قائلا : " وكانَ داوُدُ يخرُج هوَ ورجالُهُ ويَغزونَ الجشوريِّينَ والجرْزِّيِّينَ والعماليقيِّينَ . وكانَ داوُدُ يَغزو البلادَ فلا يُبقي على رَجلٍ ولا اَمرأةٍ ، ولم يَكنْ داوُدُ يأتي بأُناسٍ  أحياءَ إلى جتَ لِئلاَ يُخبروا ويقولوا: فَعلَ داوُدُ كذا وكذا. وكانَت هذِهِ عادتُهُ مُدَّةَ إقامتِهِ في أراضي الفلِسطيِّين. ( 1 صموئيل 27 : 8 – 11). 

ترى كيف كان تعامل عماليق مع الإسرائليين؟ وما هو الأسلوب الحربي الذي اتبعوه؟ الجواب نجده في نفس السفر : فلمَّا وصلَ داوُدُ ورجالُهُ إلى صقلَغَ في اليومِ الثَّالثِ، كانَ العماليقيُّونَ غزَوا الجنوبَ وصقلَغَ وأحرَقوها، وسبَوا مَنْ فيها مِنَ النِّساءِ ولم يقتُلوا أحدًا، لا كبيرًا ولا صغيرًا، بل ساقوهم وذهَبوا في طريقِهِم ( 1 صموئيل 30 -1-2) . 

إن الأسلوب العسكري الذي اتبعه عماليق ضد العبريين هو إقامة تحالفات مع شعوب المنطقة ضد  العبريين: فتحالفوا مع كنعانيين (الخروج 14)، وتحالفوا مع عمون وموآب (القضاة 6)، وكذلك مع  صيدا ومعون (القضاة 10)، وحتى انهم سمحوا للقينيين الاختلاط بهم حتى شاؤول اضطر الى انذار القيينين من مذبحة قريبة، وذلك ليمكنهم الخروج من بين العماليق  ( ( 1 صموئيل 15 ) لنذكر أن القينيين هو اسم مرادف للمدينيين الذين هم أصدقاء العبريين. 

النهاية – القضاء على البقية من عماليق

واستمرت مطاردة عماليق حتى تم تدمير مملكة عماليق، رغم بقاء بعض العماليق منتشرين في جميع أنحاء مملكة اسرائيل،  واستمر اضطهاد العماليق حتى تم القضاء على البقية الباقية في عهد الملك حزقيا فقَتَلوا مَنْ نَجا مِنْ بَني عَماليقَ ( 1 اخبار الأيام 4 : 43)

عماليق في  سفر إستير

  لقد، تمت إبادة عماليق حسب شهادة التوراة، إلا أنه عاد الى الظهور مرة أخرى وفي موقع سلطة قوية: رئيس الوزراء في الإمبراطورية الفارسية، وذلك بشخص  هامانَ بنِ هَمْداتا الأجاجيِّ ( استير 3 :1). إن اللقب "الأجاجي" معروف أنه نسبة لأجاج ملك عماليق الذي أبقاه شاؤول على قيد الحياة. كيف وصل شخص ملاحَق في صحراء يهوذا القصر بفارس؟ يترك الراوي هذا الأمر لغزًا، إلا أن اسم الشخص اليهودي الذي واجه هامان لا يترك أي مجال للشك في أصل هامان: وكَانَ في قَلعَةِ شوشَنَ رَجُلٌ يَهودِيُّ آسمُه مَردكايُ بنُ يائيرَ بنِ شِمْعيَ بنِ قيش، رَجُلٌ بَنْياميِنيٌّ كانَ قد جُليَ مِن أُورَشَليم، مع أَهلِ الجَلاءِ الَّذينَ جُلوا مع يَكُنْيا، مَلِكِ يَهوذا، الَّذي جَلاه نَبوكَدنَصَّر، مَلِكُ بابِل ( استير 2 :5-6) . أي إن مردخاي ، ابن سلالة الملك شاؤل البنياميني الذي لم يقتل الملك أجاج، يقوم بقتل هامان الذي من سلالة الملك أجاج. بالتالي فإن حلقة القتل تتم بقتل هامان ومن أيَّده دون أخذ أسرى، (استير:-9-16:)  وآجتَمَعَ سائِرُ اليَهودِ الَّذينَ في أَقاليمِ المَلِك، ودافَعوا عن أَنفُسِهم، وآستَراحوا مِنِ أَعْدائِهم وقَتَلوا مِن مُبغِضيهم خَمسَةً وسَبْعين أَلفاً، ولكِنَّهم لم يَمُدُّوا أَيدِيَهم إلى غَنيمة. 

الخاتمة:

إن الكتاب المقدس كله مفيد للتعليم. فما هو الدرس الذي قد نتعلمه من العلاقة بين اسرائيل وعماليق؟  نرى أن الكراهية بين الجماعات تكون مع أقرب المقربين، وتتحول بسرعة الى كراهية عمياء تنتقل من جيل إلى جيل. بمجرد إعطاء الآخر اسمًا أو لقبًا يعني مباشرة، هلم وأقتله وابيد اسمه، وتتحول الإبادة الى عمل مقدّس.  في القصة أعلاه كلمة "عماليق " قد أباحت إبادة الآخر. في فترات أخرى من تاريخ الإنسانية كانت كلمة " هراطقة" أو " زنادقة" او قد تكون كلمة " الكفار" . وعليه فقد جرت في تاريخ الإنسانية ما يُقارب 18 حرب إبادة شعوب . منها ستة حروب إبادة شعوب جرت في القرن العشرين.

قد تظهر الكراهية العمياء داخل مؤسسات، فيقوم الفرد بأدوار مختلفة مثل داود فهو ملك ممسوح من الله ونبي وكاتب أفضل الصلوات في مزاميره، وهو أيضا خاطئ قام بابشع الخطايا التي يقبُح حتى ذكرها، وهو يحمل رسالة إبادة شعب عماليق، فلا يبقي لا على امرأة ولا طفل. بالتلي قد تكون الازدواجية بين الخير والشر في نفس كل انسان او مؤسسة. وقد يتغطى الشر في رداء المقدسات " ويظن من يضطهدكم أنه يفعل خيرا"، لذا يصعب مواجهة الشر او الكراهية العمياء لعدم الإقرار يها. وعليه  يجب فحص كل روح ، ثم العمل على وقف الكراهية العمياء لأنها قد تستمر من جيل الى جيل.