أنت هنا

Rawpixel.com - Shutterstock

Rawpixel.com - Shutterstock

تاريخ النشر: 
الثلاثاء, يونيو 9, 2020 - 15:00
 

علاقة الأب بابنه: المواقف التي تساعد الابن على الانتقال من مرحلة الطفولة إلى المراهقة وتؤثر فيه إلى الأبد

 
اليتيا 
 

إن اللحظات الخاصة بين الأب وابنه لمساعدة هذا الأخير في طريقه نحو البلوغ، هي بالغة الأهمية. في حين أن تواجد الأب طوال فترة المراهقة هو أمر ضروري، نذكر أيضًا مواقف رئيسية يمكن أن تساعد الولد على اختيار خطواته في طريقه إلى مرحلة البلوغ.

طقوس بمناسبة بدء مرحلة جديدة في حياة الصبي

 

“لم أقم أبدًا بأمور أتذكرها مع والدي الذي كان منغمسًا جدًا في عمله، ففاتتني تلك اللحظات. لذلك، حاولت جعل انتقال أطفالنا إلى سن المراهقة أمرًا مميزًا”، هذا ما قاله آلان الأب لأربعة صبيان، والذي رافق ولده الأكبر إتيان البالغ من العمر 16 عامًا، في السير من منطقة بوي أون فيلاي وصولًا إلى بلدة كونك في إقليم أفيرون، المؤدية إلى طريق كومبوستيلا. ويضيف الأب: “إنها مسيرة رمزية؛ فأنا أضع ابني على طريق الحياة وأريه الاتجاه الصحيح، لكن عليه الاستمرار بمفرده ورسم طريقه وإتمام الحج الأرضي”.ويقول أوليفييه، وهو رب أسرة، إن هذه اللحظة الخاصة التي يقضيها الأب مع ابنه باتت ضرورية: “عندما كنت صغيرًا، ربما لم يكن غياب الأب مشكلة كما هو في عصرنا الحالي. ففي مجتمعنا حيث تتلاشى الرجولة، أعتقد أنه من الضروري أن يكون الأب حاضرًا مع أبنائه”.

بهدف مساعدة ابنه على الانتقال من مرحلة الطفولة إلى المراهقة في مجتمع اختفت فيه طقوس الانتقال تدريجيًا، يمكن للأب أن يخصص أوقاتًا مع ابنه، ويكرره بحسب صغر سن الابن، ما يولد ذكريات مشتركة بينهما ويسمح للابن بالانتقال. ويمكن أن تبدأ هذه الطقوس قبل فترة طويلة من سن المراهقة. يقول غيّوم، وهو رب أسرة كبيرة: “عندما يبلغ كل من أولادي سن السابعة، أدعوه إلى المطعم بمفرده للاحتفال ببلوغه سن المنطق، حيث يمكنني إجراء محادثة حقيقية معه ونتحدث عن مشاريعه المستقبلية. وتحولت هذه الخطوة إلى نوع من الطقوس يخبر الأطفال الأكبر سنًا إخوتهم الصغار بها قبل سنوات من موعدها”.

المشاركة أو التفاهم للاستعداد لمرحلة المراهقة

يمكن للأب أن يستند إلى التقاليد العائلية لإنشاء علاقة حميمة مع ابنه. يقول دينيس: “في كل صيف، يجتمع الأجداد والأهل والأطفال في منزل عائلي. خلال الأسبوع، اعتدنا السير مسافة 20 كيلومترًا في الجبال العالية. في العام الماضي، انضمّ جبرائيل البالغ من العمر7 سنوات إلى هذا التقليد لأول مرة، بينما لم يرافقنا الأجداد لأنهم كانوا متعبين. أعتقد أن ابني فهم أنه بات مسؤولًا، وأحيانًا، أتخيله يقوم بهذه النزهة مع أولاده! غادرنا عند الفجر، فأتيحت لنا الفرصة لرؤية حيوان الشامواه والمرموط. أعتقد أن هذه النزهة كانت وسيلة ليرى ابني جمال الخلق في هذا المكان الذي يشبه الجنة، ما يؤثر فيّ كثيرًا، وقد بدا لي أنه شعر بالمثل. في الواقع، هو في العادة ثرثار ومتحمس، إلا أنه بدا غارقًا في صمت تأملي طوال اليوم”.

إذًا، يسمح اعتياد الولد على المشاركة أو التفاهم بأن يستعد لمرحلة المراهقة وللأسئلة التي ترافقها، بدءًا من الهوية الجنسية وعلاقاته مع الفتيات، فيصبح الحديث مع الأب مهمًا للغاية، حتى دون قيامهما بطقوس معينة. انتظر غيّوم اللحظة المناسبة مع أبنائه الثلاثة، ويقول: “عندما ألاحظ أنهم يصلون إلى سن البلوغ، أغتنم الفرصة للتحدث معهم عن الحب وجهًا لوجه، وعما يحدث داخلهم وعن رغباتهم. أذكر لهم أيضًا ما اختبتره مع والدتهم وكيفية الاستعداد لعيش الحب الحقيقي والنظر إلى الفتيات بلفتة عادلة، على ألّا تأخذ الأمور المنحى الدرامي. ثم أذكّرهم أن الرجل هو محارب وأن ضبط النفس هي إحدى المعارك التي يجب أن يخوضها”.بحسب الوالدَين، يسهّل هذا النقاش تثبيت أسس شخصية الولد، لكنه ليس كافيًا. يقول إدوار: “من المهم أن أتحدث معه شخصيًا عن تلك الأمور، ولكن يجب أيضًا أن يتلقى الرسالة نفسها من خارج العائلة، أي في المدرسة وفي الكشافة مثلًا. في الواقع، أعتقد أن الأهم هو كيفية تعامل الأب مع زوجته؛ فهل يتعامل معها كما يفعل المسيح مع كنيسته؟”.

 

عبور المراهق للخط الأصفر: فرصة ليبرز شخصيته

أحيانًا، تكون الأفعال أقوى من الكلمات، ومن هنا تأتي أهمية عيش المراهق لمغامرة مماثلة. ويقول غيّوم: “عندما يبلغ أحد أبنائي الخامسة عشر من عمره، أقضي معه عطلة نهاية أسبوع كاملة في مكان يشبه شخصيته، بهدف مغادرة منزل العائلة لاكتشاف الخارج. إنه بمثابة طقس الانتقال إلى مرحلة البلوغ. على سبيل المثال، رافقت أحد أبنائي إلى منزلنا الجديد في الجبل وافتتحناه معًا”. أحيانًا، تقدم هذه المغامرة للصبي الفرصة لتجاوز أبيه، ما يشير إلى بدء انتقاله إلى مرحلة جديدة. ويقول أب آخر: “ذهبنا كعائلة في إجازة في بيت متنقل. وعندما توقفت المركبة، عثر أحد ولديّ على المشكلة، فنجح الإبن حيث فشل الأب؛ إنه لأمر رائع!”.

يمكن اتخاذ تدابير أثناء المشاكل أو انحراف الشاب عن الطريق الصحيح، فتكون فرصة لمشاركة مثمرة وبداية جديدة. يوضح الأستاذ في التواصل جيل لو كاردينال: “إن أول خطأ فادح يقوم به المراهق هو لحظة رئيسية، كالسرقة من السوبر ماركت مثلًا، فيكون رد فعل الأب مهم جدًا. إذا وبخه أبوه وأذلّه، فهو يخاطر بنزع الثقة من ابنه. أثناء تذكيره بالقواعد، يجب أن يحاول الأب أن يفهم ابنه، وهي فرصة لاعترافه بأنه ليس مثاليًا أيضًا. عندئذٍ، يتحول الخطأ إلى فرصة، والأب إلى دعم لا إلى خصم”.

هذا ما اختبره فيليب الأب لولدَين: “عندما كان ابني الأكبر يبلغ من العمر 17 عامًا، عوقب بسبب الغش في المدرسة الثانوية. فرافقته في نزهة دون أمه التي تميل إلى العقاب فورًا، وتحدثنا. أردت أن يكون مسؤولًا عن أفعاله بجعله يفكر فيها، وإلا فسينفّذ العقاب ثم يعيد الكرّة! أعتقد أن رد فعلي هذا زاد الثقة بيننا”.

من مرحلة المراهقة إلى البلوغ

يمكن للفتة أخرى أن تكون بمثابة طقس للانتقال، وهي تسليم الأب شيء ما لابنه. إذا كان تسليم ساعة لا يحمل معنى كبير، فيمكن للأب أن يقدّم أشياء أخرى ذات قيمة تشجيعية على الاستقلالية والمسؤولية، بشرط أن يتم ذلك في الوقت المناسب.

إن الاستقلالية هي إحدى أبرز أفكار المراهقة وسبب الانتقال إلى مرحلة البلوغ. ويشرح جيل: “خلال فترة المراهقة، يحدث تحول من الفترة التي كان يقرر فيها الوالدان بالنيابة عن ولدهما إلى المرحلة التي يصبح فيها شاب وصاحب القرار”. وبحسب قوله، يجب على الأب أن يصحح خطأين شائعَين في عصرنا هذا: “إن الخطأ الأول هو الخلط بين الحرية والاختيار؛ فبالاختيار يتخلى عن الحرية، ولا توجد حرية دون مسؤولية. يمكن للمناقشة بين الأب وابنه حول هذا الموضوع أن يكون مثمرًا. أما الخطأ الثاني، فهو الخلط بين استقلالية الشاب وتدبير أموره بنفسه، ما يُسمى بالاستقلال؛ فالاستقلالية هي معرفة كيفية طلب المساعدة والمشورة لتنفيذ المشاريع”.إن نتيجة هذه الرحلة هي زواج الابن حيث يكون خطاب الأب أثناء حفل الزفاف هو طقس الانفصال. ويقول جيل: “يدرك الأب أن وقت الانفصال قد حان. ففي خطابه، نجد شعورًا بالذنب لإخفاقاته واعتراف بالمواهب التي طورها ابنه، وكأنه يعيد قراءة الماضي. إنها أيضًا طريقة أخرى ليقول لابنه: هذا كل ما قدمته لك وأنت لا تدين لي بشيء”. هكذا، ينتقل الشاب من أسرته الأصلية إلى تلك التي يؤسسها ليكتب قصة أخرى.