أنت هنا

تاريخ النشر: 
الأحد, فبراير 9, 2020 - 17:15

من صلوات الأب متي المسكين – التوبة والرجوع إلى الله

 

اليوم نُصلِّى، ونُصلِّى وبإلحاحٍ ولَجاجة لدى الله، أن يعطى للشعب ويعطينا معه. لِماذا نتضايق وقت المِحنة؟ لِماذا لا نَحتمل الضيقة؟ ولِماذا نَحن فى غَيْر استعداد لنقابل الخسارة المادية المفاجئة أو افتقاد الميِّت إن كان ابناً أو أخاً أو أباً أو أماً؟ لِماذا نرتعب من الموت؟ ما هو السبب فى أننا غَيْر مستعدين مثل آبائنا الشهداء، أن نقبل هذا الوضع الحادث الآن؟ فى الحقيقة الأمر واضح: أنه إذا غابت النعمة، غابت القوَّة وغابت الشجاعة وغاب الاحتمال والصبْر على الضيقة. إن غاب الروح القدس عن قلب الإنسان سار فى الظلمة، والذى يسير فى الظلمة لا يعرف أين يسير، الظلمة تُحيط به ولا يرى بريقاً من أمل. السِرّ الحقيقى هو أن النعمة اختفت من البيوت لاختفاء التقوى ومَخافة الله.

 

لِماذا صار هذا يا رب؟ نَحن نصلِّى إليك، افتقد كنيستك وشعبك، افتقدنا بالنعمة التِى غابت. لا يصح يا سيدى أبداً أن نُدعَى لكَ بنين ونأخذ اسْمك ونصير مسيحيين، ونَحن فاقدون التقوى وفاقدون القداسة وفاقدون الطهارة. من أين تأتينا الشجاعة؟ من أين تأتينا القوَّة على مغالبة الموت بنعمة وانتصار؟ ونضع الموت كما وضعه المسيح تَحت أقدامه وانطلق إلى السماء بقوَّة ومَجد.

 

آه؛ يا رب، لِماذا أصابنا هذا وأنتَ أبونا؟ أنتَ قلتَ لنا: ”لا تدعوا لكم أباً على الأرض“، فأنتَ أبونا، وليس لنا أب سواك. فارفع قلوب أولادك؛ شعبك؛ شبابك؛ صبيانك؛ أطفالك، ارفعهم من النظر إلى الآباء المستهترين إلى النظر إليك يا رب، فأنتَ أبونا. وأنتَ القادر أن ترعَى الصغار والكبار من جديد وتثبِّت أبوّتك الحانية والمُحبَّة والتِى تستطيع أن تؤدِّب عند اللزوم: ”لأن إلَهنا نارٌ آكلة“.

 

لقد احتملتَ عنّا كل تأديب يا رب، لتنجينا من كل عار ومن كل هزء. آه، كم احتملتَ يا ربِّى من هزء، هزؤوا بكَ يا حبيب، هزؤوا بك بكل أنواع الهزء: بصقوا على وجهك؛ ضربوك على رأسك؛ ألبسوك إكليل الشوك وذهبوا يرقصون حولك مستهزئين: تنبأ مَن ضربك؛ يا ملك إسرائيل. أيُوجَد بعد ذلك هزء؟ فلماذا نُسلِّم ذواتنا لِهزء الشيطان ليسخر منّا؟ لِماذا صار هذا كله؟

ألا تفتقدنا فى وسط السنين يا رب؟ إن كنّا أثِمنا وبعدنا عنك لضياع نعمتك فينا، فبالأقل يا رب افتقدنا، افتقدنا فى ضيقتنا التِى صارت لنا والظلمة التِى أحاطت بنا، فأنتَ النور الحقيقى. وإن كنّا لَم نتبعك كما ينبغى، ولكن أنتَ لا تستطيع أن تتركنا فى الظلمة، لأننا دُعينا باسْمك كأولاد للنور. لا تَحرمنا يا ربِّى من نور القلب ونور الفكر ونور الحياة، لنَرى الظلمة التِى أحاطت بالكنيسة وبنا حتَّى صار الخلاص شهوة لا يَجدها أحد، حتَّى صار قبول الروح القدس خرافة. يقولون هذا صدِّقنِى يا إلَهى، يقولون: لا تقولوا نَمتلئ من الروح القدس، لأن هذا قول العقائد الأخرى، لأننا أخذنا الروح القدس فى المعمودية. فأين هو يا رب؟ الروح القدس له علامات؛ له لغة؛ له سلوك. الحب ينبع من القلب والفم، والإيمان ينطق فى كل كلمة. أين؟ أين؟ أين القداسة والبِرّ اللذان أخذناهُما؟ أين الروح القدس الذى يسكن؟ وإذا سكن الروح القدس لا يكفّ عن التعليم والتهذيب والفهم، يأخذ من المسيح ويُخبِر بأسرار الآب والابن ويُعرِّفنا كل الحق. أين؟ أين؟ أين صار هذا كله؟ هل الروح القدس موجود؟ لا، لا تنكروا، لا تكذبوا، قولوا الحق. الروح القدس غائب غياباً شديداً، والظلمة استحكمت على العقول والقلوب والبيوت والكنائس.

 

آه يا رب، لا تترك كنيستك، أنتَ الذى فديتها بالدم وغسلتها ومسحتها لنفسك لتكون عروساً لكَ ملء الحياة، وأعطيتها مِلأك لتعطى حتَّى السماء تبشِّر. لِماذا صارت الكنيسة غَيْر قادرة على النطق بكلمة الخلاص واجتذاب النفوس وتغييرها؟ يا رب، لِماذا تركتَ شعبك هكذا يَهزأ بنا العدو؟ وليس لنا عدو؛ يا الله؛ إلاّ الشيطان، هو الذى يعادينا، أمّا أخوتنا بنِو وطننا فهُم أحباؤنا ولو قتلونا، أحباؤنا ولن نفرِّط فى حبهم ولو كان سيفهم على رقابنا. لأن هذه علامتنا الوحيدة، أن كل مَنْ يُهيننا نعطيه الخد الآخر والقلب كله والحب.

 

يا ربِّى، تَحنَّن على هذا الشعب الذى لكَ، خليقتك التِى خلقتها من جديد، بعد عار الخطيئة واللعنة، أعطيتها حياة من عندك، ومن جسدك. يا رب، كلمتك حيَّة إلى الأبد، كلمتك تُحيينا كل يوم لأن منها وُلِدنا. جدِّد قلوب عبيدك يا رب، أقِمها من الموات، لا نقول بِمعجزة، لا. لأنك يا سيدى، أنتَ بقوتك تتحدَّث مع كل قلب وتعاتبه: أين صليبِى؟ أزعِج قلوبَهم يا رب، أقِمهم بالليل منْزعجين جداً والصوت يرنّ فى قلوبِهم: أين صليب الرب؟ دستموه؟ لِماذا دستموه؟ أين مَجد القوَّة التِى أعطاها الله من على الصليب؟ ”وأنا إن ارتفعتُ أجذب إلَىَّ الجَميع“.

 

هل نسيتَ شعبك يا ابن الله؟ أهكذا تنسَى شعبك الذى افتديته بدمك؟ أتوسَّل إليك فى هذا اليوم يا رب، ويشاركنِى إخوتِى وكل مَنْ يسمعنِى؛ طفلاً كان أو صبِياً؛ أو شاباً أو بنتاً أو رجلاً أو كهلاً، فليصلِّ من أجل هذا الشعب الذى نسِىَ مسيحه، ونسِىَ الكأس الذى شرب، ونسِىَ الحياة التِى أخذ، وأصبح يعبث فى أمور العالَم الفاسدة حتَّى فسد القلب والمُخ والأعصاب والجسد كله.

 

آه؛ يا رب، لِماذا حدث كل هذا؟ وأين أنتَ؟ وأين كنيستك التِى استأمنتها على إنجيلك؟ آه! آه! يا رب، لِماذا صنعتَ هذا كله فى شعبك؟ يا رب، ارفع غضبك. آه! يا رب، إلى متَى؟ إلى متَى تتركنا للعدو ليهين اسْمك فى ذواتنا، ويَحتقر عملك وخلاصك بين ضلوعنا؟ ارحم وافتقد من السماء، لأن شعبك ذُلَّ إلى المنتهى. ليس بعد ذلك ذِلَّة، يا ابن الله. ارحَمنا، ارحَمنا وأنِرْ على قلوبنا بإنجيلك وبكلمة الحياة التِى أعطيتنا. روحك القدوس لا تنْزعه مِنّا، روحك القدوس جدِّده فى أحشائنا يا سيدى، كل يوم برَحْمة من عندك ونِعمة وبنشاط وتوبة حارَّة. أنقذنا يا ابن الله، لأننا صرنا فى الحضيض. شعبك يعانِى المرارة، وعندك ملء النِعم. أنتَ الغنِى يا سيدى، وأنتَ أبونا وليس لنا أب آخر سواك. لِماذا تترك شعبك هكذا، وكنيستك؛ أتتركها؟ عروسك التِى فديتها بالدم وغسلتها ونقَّيتها وطهَّرتَها وقدَّستها لنفسك، لكى تكون مَجيدة وبلا لوم. آه، لِماذا تركتها هكذا؟

 

عُدْ يا سيدى، وافتقد كنيستك وشعبك، عُدْ يا رب ولتكن أيام عودة من عندك وعودة من عندنا. أنتَ تعود إلينا بالمراحِم، ونَحن نعود إليك بالتوبة وقرع الصدر والندامة على ما فعلنا، ليأتِى روحك ويسكن فى قلبنا، ويُعِيد أيام النعمة؛ أيام القداسة والبِرّ؛ أيام التقوى ومَخافة الله.

 

إلى متَى يا سيدى القدوس؟ لقد صرنا فى ضيق عظيم جداً، لأن النور غائب والظلمة أحاطت حتَّى أننا نتلمَّس على الحائط كالأعمَى ولا نعرف الطريق، وأنتَ يا رب هو الطريق والحق والحياة. آه يا رب، آه يا رب، أطبقت علينا الظلمة طبقات فوق طبقات، فغاب النور، وحتَّى غاب النور عن الوعى. آه يا رب، الإنجيل فى حضننا والظلمة ملأت قلبنا. كيف هذا؟ آه يا سيدى، ليتَ نبوَّة إشعياء تتحقَّق، أن يُولَد شعبك فى يوم، يُولَد كله للنور وللحياة الأبدية، يتعرَّف عليك من جديد وينسَى أعمال الظلمة. هل يُولَد شعب كله فى يوم؟ نعم، هذا ما نطلبه منك يا ابن الله، وأن تتمّ النبوَّة على حق، وليعرف شعبك أنه اليوم يوم خلاص والساعة ساعة مَجد وتَجديد لِمَنْ يَمد يده ويَمد قلبه ويأخذ.

 

إلى متَى يا رب؟ إلى متَى تتركنا نعيش فى ظلمة، وأنتَ النور الحقيقى الذى ينير المسكونة كلها؟ عُدْ بنورك يا ربِّى، وفتِّش على القلوب التائهة بعيداً عنك واطلبها، والنفوس التِى غاب عنها النور افتقدها، لا تتركها فى ظلمة، ارحَمها. نَحن عبيدك وأولادك يا رب، أتوسَّل إليك من أجل كل نفس تعيش فى الظلمة، أشرق عليها بنورك السماوى، أشرق عليها مَجاناً، لا تطلب منها شيئاً وهى فى ملء ظلمتها وهى فى ملء نومها على سريرها، افتقدها، فيقوم مفزوعاً لأنه رأى رؤيا، رأى نوراً، إنه الرب يسوع يفتقد. آه يا ربِّى يسوع المسيح، افتقدهم وهُم نيام. لا تفتقدهم وهُم يُجاهدون من أجل أنفسهم أبداً، افتقدهم وهُم نيام، لأن افتقادك مَجانِى هو، والروح القدس الذى ينير قلوبَهم تعطيه عطية من السماء.

 

نَحن فى أحوج ما يُمكن لروحك القدوس. أيُوجَد أكثر من هذا توسّل إليك يا ابن الله؟ أتوسَّل إليك أن تطلب من أبيك مرةً أخرى أن يعطينا ولو كيوم الخَمسين؛ مع أن يوم الخَمسين فى قلوبنا وكنيستنا؛ يُعطى انسكاب النعمة من السماء على هذا الجيل. أتوسَّل إليك يا رب، برحْمتك افتقد مَجاناً، لا تطلب منهم عملاً ولا أى شئ ولا حتَّى توبة، لأن نورك يتوِّبُهم، روحك القدوس هو الذى يُعلِّمهم التوبة. عندما يفتقدهم الروح القدس يَجعل الإنسان لا يكفّ عن السجود والفرح وقرع الصدر، ولا يكفّ عن أعمال النسك، بل ويَجدها قليلة للغاية مقابل أعمال المسيح الفدائية. عندما يسمعوا صوتك يا ابن الله، أعطِهم يقظة، يقظة قلب حتَّى يقوموا فى الحال ويطلبوك وترسل لَهم بيد مَنْ ترسل ليُعلِّمهم التوبة والحياة.

 

افتقدنا يا رب فى هذه الأيام التِى يَحلو فيها الافتقاد، لأن الظلمة أحاطت بنا والموت كَشَّرَ عن أنيابه، فماذا نفعل؟ نقابل الموت بالتوبة. افتقدنا يا ابن الله، فهذا هو زمان الافتقاد، هذا هو زمان إرسال الروح للتوبة، لكى ما نستطيع أن نلبس ثوب الخلاص قبل أن نغادر هذه الأرض المظلمة.

 

أنتَ أبونا الحىّ وليس لنا سواك. لن نلجأ لآخر إلا إليك، من أجل كل نفس فى شعبك، من أجل الكل يا ربِّى، من أجل الذين يعيشون فى الأكواخ وفى أكواخ الصفيح؛ وفى أماكن الزبالة؛ وفى كل مكان، مع كل الذين يعيشون ويتنعَّمون فى القصور، سيان. سكان القصور أحوج إلى التوبة من سكان أكواخ الصفيح. نعم؛ يا ربِّى، ارحَم هؤلاء وأولئك. لا تترك إنساناً يا سيدى، طلبك أو لَم يطلبك. أنتَ الإله القادر المقتدر فى عملك ولستَ مُحتاجاً لإنسان يطلب منك أبداً. أنتَ تعطى الروح القدس للذين يسألونك، ولكن ما هو موقف الذى لا يطلب؟ هل تنساهم؟ أنتَ الغنِى وهم فقراء، أنتَ عظيم وعجيب وحكيم وهم جهلة. إذن، فالافتقاد وَجَب، أن تفتقدهم فى ظلمتهم وفى جهلهم وفى تعبهم وترسل لَهم نعمتك المَجّانية، لكى يصيروا أولاداً لكَ تفرح بِهم.

 

ونَحن نطلب التوبة، أليس لكى نصير أولاداً لكَ يا رب؟ ونَحن نطلب أن نكون أولاداً لكَ، أليس لكى نفرِّح قلبك؟ نَحن لا نريد شيئاً على الأرض، نريدك أنتَ وحدك الذى لنا فى السماء، والأرض لا نريد منها شيئاً. تكفينا أنتَ، لأنك تعطينا أكثر مِمّا نطلب، وقبل أن نسأل تستجيب. قبل أن نطلب، أنتَ تعرف احتياجاتنا، وتكون قد سبقتَ ورتبتها، فننذهل أنك تسمع لنا. أنتَ يا رب هكذا، فلا تنتظر طلبة من عبيدك لأن الطلبة صعبة تَحتاج إلى قوَّة قلب وقوَّة صلاة وافتقاد نعمة.

 

مَنْ ذا الذى يستطيع أن يصلِّى إليك يا رب، إلاّ الذى افتقدتَه بروحك القدوس. أنتَ الذى تطلب الذين يصلّون بالروح والحق. كيف يسجد هؤلاء بالروح والحق إن لَم تعطهم الروح الذى يُعرِّفهم الحق ليصلّوا ويسجدوا بالروح والحق.

 

فنحن بالحق نطلب منك كأب سَماوى رحيم جداً ولا يدانيك أب على الأرض ولا أقدس القديسين فى حبِّك ورحْمتك، أن تفتقد شعبك فى هذه الأيام وتعطيهم نعمتك المَجّانية فى كل بيت وفى كل قلب، تفتقد الكبار مع الصغار، وأولاً وقبل كل شئ تفتقد كنيستك. كهنوتك المبارك؛ لا تتركه يا رب فى ظلمة، أشرق عليه من السماء كعهد مبارك أنتَ تعهَّدتَ به لكل مَنْ يَخدم اسْمك، هم يَخدمونك يا ابن الله، فافتقدهم من عندك افتقاداً سَماوياً، وأرسل روحك القدوس خاصةً على كل إنسان، وإن لزم بلسان نار، بلسان نار افتقدهم لكى تعود إليهم قلوب الكهنوت: قلب الكاهن يَحمل الله، وشفتاه تَحملان الإنجيل، فى فمه معرفة.

 

هذه طلبتنا فى هذا المساء، افتقد الجَميع يا رب فى اسْمك، وليكن اسْمك مباركاً إلى أبد الدهور، آمين.

 

من كتاب –  صلوات مُسجَلَة فى نِهايات عظات وكلمات الأب متي المسكين

صلاة يوم 22 / 3 / 1994